الخليج اليوم


الشيخ حمد بن وهيط.. صمَّام أمان الدولة والقبيلة فقدت مأرب برحيله أحد ركائز توازنها الاجتماعي والوطني (بروفايل)
18




  • برحيل الشيخ حمد بن وهيط العبيدي، الذي توفي الثلاثاء 20 يناير 2026 في أحد مستشفيات المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية، لا تفقد مأرب شيخًا قبليًا بارزًا فحسب، وإنما تخسر إحدى ركائز توازنها الاجتماعي والوطني. فالرجل الذي ولد من رحم القبيلة، عاش بروح القائد وعقل الدولة، وجمع في شخصيته حكمة العُرف، وصلابة الموقف، وصدق الانتماء للجمهورية. فكان للدولة ركنها الراسخ، وللقبيلة قلبها النابض، وللوطن صمام الأمان. وعلى مدى ثمانية عقود، كان المرجعية الجامعة في زمن الانقسام، ورمز الثبات في لحظات الانهيار، والجدار الصلب الذي يستند إليه الجميع وقت الشدائد. مولده ونشأته ومكانته ولد الشيخ حمد بن وهيط قرابة العام 1950 في إحدى عزل مديرية الوادي بمحافظة مأرب، ونشأ في بيئة قبلية غُرفت بالكرم والشجاعة وإصلاح ذات البين. في هذا المحيط تشكّلت شخصيته القيادية مبكرًا. برز اسمه كمرجعية في العرف القبلي اليمني، وشخصية محورية في إصلاح ذات البين، خاصة في حل النزاعات والثارات التي أرهقت المجتمع المأربي. لم يكن يتردد في التحرك لإخماد الفتن فور سماعه نبأ اندلاع حرب أو اقتتال داخلي، رغم أن هذا كان يعرضه ومرافقيه للخطر. ففي إحدى المرَّات، أُصيب بالرصاص الحي أثناء تدخله للتوسط بين قبيلتين في المديرية. ظل ملتحمًا بمجتمعه، مشاركًا للجميع أفراحهم وأتراحهم، وقد أكسبه قربه من الناس قبولًا واسعًا لدى مختلف الأطراف، ورسّخ مكانته كمرجعية متوازنة لا طرفًا في الخصومات. أدوار وطنية وسياسية إلى جانب دوره الاجتماعي، أسهم بن وهيط في تعزيز التلاحم المجتمعي داخل محافظة مأرب في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية. وكان عضوًا في هيئة الشورى المحلية للتجمع اليمني للإصلاح بالمحافظة. اتسمت مواقفه السياسية بالنضج، والوضوح في دعم حضور الدولة ومؤسساتها، وساند بقوة لجهود السلطة المحلية بقيادة اللواء سلطان العرادة في تثبيت الأمن وتنمية المحافظة. وطوال مسيرته، كان دائم الحرص على توحيد القبائل، وشد أزرها لمواجهة التحديات الوجودية. وكان لحضوره دورًا حاسمًا في ترجيح الكفّة للصالح العام والموقف الوطني. مواجهة الانقلاب منذ لحظة انقلاب جماعة الحوثي، كان الشيخ بن وهيط في مقدمة صفوف المقاومة. وطوال سنوات الحرب، لم يتخفّى، ولم يساوم أو يتراجع. قاتل بشجاعة وثبات، وتعرّض للإصابة مرات عديدة، لكنه كان في كل مرة يعود أكثر صلابة. مع اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء أواخر 2014، وتوسعها نحو مأرب والجوف، كان من أوائل من خرجوا للدفاع عن المحافظة ومصالحها الحيوية. أسس مطرحه الخاص مع عدد من أبنائه وأحفاده وأقاربه بأسلحتهم الشخصية في ظروف بالغة التعقيد، ويُعد من مؤسسي مطارح نخلا والسحيل في سبتمبر 2014، وكان أول متحدث باسمها. طوال 10 سنوات، خاض عشرات المعارك البطولية ضد الحوثيين بعنفوان الشباب وهمّة الثوار، لم توقفه الإصابات أو تقدمه في السن. وكان استبساله نابعًا من إدراكه العميق بخطورة المشروع الحوثي على الأرض والإنسان اليمني. مواقف مفصلية في 20 أكتوبر 2014، وصلت وفود قبلية من طوق صنعاء إلى منطقة السحيل لإقناع قبائل مأرب بإخلاء المطارح، وتجنب المواجهة مع الحوثيين. رفضت قبائل مأرب العرض، وقال الشيخ “بن وهيط” مخاطبًا الوفد: “إن جئتم للوقوف معنا، وتعزيز صَفَّنا فأهلًا وسهلًا بكم، وإن جئتم وساطة فنحن نرفض أي وساطة مع الحوثي في ظل مسلسل اقتحام المحافظات وممارسة السلب والنهب”. كما تصدى للشائعات التي روّجها الجماعة حول انسحاب القبائل من المطارح، وأطلق عبارته المشهورة حينها أن القبائل لن تعود من “مطارح نخلا والسحيل” إلا إذا أعادت الدولة مسلحي الحوثي إلى صعدة. بطولات وتضحيات عند اندلاع المعارك في ابريل 2015، كان من أوائل المنضمين إلى جبهات القتال، ولم يغادرها حتى تمكن رجال القبائل من صد الهجوم الحوثي. ومع تشكل الجيش الوطني، لازم الفريق الركن عبدالرب الشدادي خلال قيادته للمعارك على تخوم مدينة مأرب، وظل إلى جانبه يسانده حتى استشهاده عام 2016. كان حضوره في الجبهات يشكل حالة إرباك للجماعة الحوثية، والتي تعمدت استهدافه عدّة مرّات. ففي مايو 2017 استهدفته بصاروخ حراري في جبهة صرواح، استشهد على إثره 6 من مرافقيه وأصيب آخرون. وفي أبريل 2020، أصيب مجددًا في الجبهة ذاتها، بعد أن عاد إليها ليساند الجيش إثر تجدد المعارك فيها. في مايو من العام نفسه، أصيب بجلطة دماغية أثَّرت على حركته، وظل لفترة طويلة يتلقى العلاج داخل البلاد وخارجها، ثم عاد ليواصل رحلة النضال والكفاح في صفوف الجيش حتى أقعده المرض الأخير الذي نقل على إثره إلى السعودية لتلقي العلاج في ديسمبر الماضي. شهادات رسمية وشعبية أشاد رئيس هيئة الأركان العامة، الفريق الركن صغير بن عزيز، بمناقب الفقيد ومواقفه الوطنية، ووصفه بأنه “أحد الرموز الوطنية البارزة في مواجهة جماعة الحوثي”.. مؤكدًا أنه “كان من أوائل الرافضين للمشروع الحوثي الكهنوتي، ومن المتقدمين في ميادين المواجهة. وقال إنه كان “مقاتلًا شجاعًا، ولم يدّخر جهدًا أو وقتًا أو مالًا في سبيل الدفاع عن ثوابت الشعب وحماية مكتسباته الوطنية”. مضيفًا أنه “عُرف بحكمته وشجاعته وخدمة المجتمع، وسعيه الدائم في أعمال الخير وإصلاح ذات البين، الأمر الذي أكسبه مكانة رفيعة في أوساط مجتمعه ومحافظة مأرب على وجه الخصوص”. كما نعى التجمع اليمني للإصلاح الشيخ بن وهيط، وقال إنه “جمع بين الوجاهة الاجتماعية والحكمة السياسية، وبين الموقف الصلب والنضال الصادق”. وأضاف: “عرفته مأرب رجلاً يزن الأمور بعقل الدولة، ويحمل همّ الجمهورية في قلبه، ويجعل من العطاء طريقاً، ومن التضحية خُلقاً دائماً”. وعن موقفه المقاوم قال: “ظل سلاحه مرفوعاً لا طلباً لحرب، بل حراسةً لدينه وعقيدته وللجمهورية، ورسالةً دائمة بأن هذا الوطن ما يزال له رجال”، موضحًا أن هذا “لم يكن استعراض قوة، بل إعلان التزام أخلاقي بأن السلاح لا يُنزَل إلا حين تزول أسباب حمله، وحين تستعيد الدولة هيبتها، وتعود الجمهورية إلى أهلها”. أثار نبأ وفاة الشيخ حمد بن وهيط، حزنًا واسعًا في عموم اليمن، ونعاه مسؤولون وسياسيون وشيوخ قبائل وناشطون من مختلف المكونات الوطنية والاجتماعية والفكرية، مؤكدين أن رحيله خسارة وطنية كبيرة. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلات واسعة تشيد بمآثره، وتذكر بمواقفه الوطنية البارزة وتضحياته الكبيرة حتى أيامه الأخيرة. برحيله لا تُطوى سيرة مناضل من الطراز الرفيع، بل تُغلق صفحة من الثبات والتوازن الفريد بين القبيلة والدولة، فقد كان حاميًا للقيم، وحارسًا للجمهورية، ومهندسًا للتوازنات، وركيزة أساسية لاستقرار مأرب وموقفها الوطني







       قد يهمك ايضاً

    بعد التطورات الأخيرة.. مطالبات حقوقية باستعادة سيارة القيادي "الدياني" المنهوبة من قِبل نجل شقيقة الزبيدي

    الحوثيون يفرض حصارًا مائيًا خانقًا على قرى حجور في حجة

    أسعار الصرف في عدن وصنعاء اليوم الخميس 22 يناير كانون الثاني 2026

    صالح: علي سالم البيض علماً بارزاً من اعلام التاريخ اليمني المعاصر

    بيان صادر عن مجلس المستشارين للمجلس الانتقالي الجنوبي







    © جميع الحقوق محفوظة لموقع ا الخليج اليوم 2025